أبو نصر الفارابي

37

احصاء العلوم

الجميل والقبيح من الأفعال . وهي توجد لكل إنسان حتى في الأطفال ، لكنها نزرة لم تبلغ بعد إلى أن تفعل فعلها : كقوة رجل الطفل على المشي ، وكالنار اليسيرة التي لا تبلغ أن تحرق الجذع ، وفي المجانين والسكران كالعين الحولاء ، وفي النائم كالعين المغمضة ، وفي المغمي عليه كالعين التي عليها غشاوة من بخار أو غيره « 1 » . فهذا العلم - لمّا كان يعطي قوانين في النطق الخارج ، وقوانين في النطق الداخل ، ويقيم بما يعطيه من القوانين في الأمرين النطق الثالث الذي هو في الإنسان بالفطرة ، ويسدده حتى لا يفعل فعله في الأمرين إلا على أصوب ما يكون وأتمه وأفضله - سمي باسم مشتق من النطق الذي يقال على الأنحاء الثلاثة ؛ كما أن كثيرا من الكتب التي تعطي قوانين في المنطق الخارج فقط من كتب أهل العلم في النحو فقط تسمى باسم المنطق . وبيّن أن الذي يسدد نحو الصواب في جميع أنحاء النطق أحرى بهذا الاسم « 2 » .

--> ( 1 ) يريد أن يقول إن العقل موجود لدى جميع الناس ، وهو عبارة عن قوة نفسية بها تحصل المعقولات والعلوم والصنائع ، ويميز بين القبيح والجميل في الأفعال . وهذه القوة توجد منذ الولادة مع الطفل ولكنها تكون ضعيفة تشبه قوة رجله على المشي . يعني أنها تكون بالقوة لا بالفعل . أي لم تبلغ بعد أن تفعل فعلها على حد تعبير الفارابي . ( 2 ) يشير الفارابي إلى أن بعض النحاة سموا علمهم بالمنطق لأنه يدخل قوانين النطق الخارج . ولكنه يفضل أن يعطي اسم المنطق للعلم الذي يشمل أنواع النطق الثلاثة المذكورة في الصفحة السابقة .